د. ياسر برهامي - وامكر لي ولا تمكر عليَّ - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2015-10-11 16:55:00

في وسط الجو الذي يكثُر فيه الهجوم علينا بما لم نرَ مثله قبل ذلك في تاريخنا، تُسَخَّر قنوات وجرائد وصحف ومجلات وأقلام، وبكل الوسائل يحاول الكثير تشويه الصورة، ويحاولون صد الناس عن الطريق مِن خلال ما يقولونه مِن البُهتان والكذب، ومِن لَيِّ الكلام وتحريفه عن مواضعه، وقد يشعر الكثير منا باليأس، ويشعر بالضيق لما يحدث، ويتمنى أن لم يكن قد حدث، ولكن مَن تدبر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: "اللهم أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدى لي" فإنه يزول عنه ما يراه وما يجده مِن الألم والضيق واليأس، هل يزول عنه كل ذلك ويحل مكانه السرور والفرح بما يفعله الأعداء والمخالفون به؟ يجد لذة للذي يفعل به في الله عز وجل، ولنتأمل معًا بعض ما في هذا الدعاء العظيم الجامع من الفوائد الإيمانية:
 
قوله صلى الله عليه وسلم: «وامكر لي»
الله عز وجل يدبر أمر عباده بما يخفى عليهم: "وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (آل عمران: 54)، فمكره هو المكر الخير، دون المكر السيئ، فإنه ليس مِن صفته، ولا مِن فعله، ولا هو أهله عز وجل، فإن الله عز وجل يمكر خير المكر، ويدبر بالخفاء ما لا يحيط العباد به علمًا.
 
·       كما قال عز وجل عمَّن مكر بالمسيح صلى الله عليه وسلم ليصلبه ويقتله: ?وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى" إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (آل عمران: 54-55).
 
فانظر كيف كانت عاقبة مكر المجرمين: فَسَدَ مكرهم وبطل كيدهم ونجى الله عز وجل عيسى عليه السلام، وما تمكنوا مِن قتله ولا صلبه، بل رفعه الله إليه، كما قال تعالى: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" (الأنعام: 157- 159).
 
فانظر عاقبة مكر هؤلاء المجرمين أن أضلهم الله عز وجل، وختم على أسماعهم وأبصارهم، فشُبِّهَ لهم الأمر، ونجى الله المسيح عليه السلام، ثم جعل دعوته هي الظاهرة في الأرض - وهي دعوة التوحيد، فلا تزال كلمة «لا إله إلا الله» التي دعا إليها المسيح عليه السلام ودعا إليها كل الرسل ظاهرة في الأرض، ولا يزال هناك مَن يدافع عنها وينصرها ويظهرها، وقد جعل الله كل مَن تمسك بها ظاهرًا على مَن خالفها، ثم تكون عاقبة الأمر أشقى لصدورهم، وأكثر اطمئنانًا لقلوبهم، إذا نزل المسيح عليه السلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية».
 
·       وانظر إلى كيد الله عز وجل ليوسف عليه السلام: وهذا مِن المكر الخير؛ فالله خير الماكرين، قال تعالى: "فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ . قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ . قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ . قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَ?لِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَ?لِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ" (يوسف: 70- 76).
 
فهذا خير الكيد وخير المكر مِن الله عز وجل ليوسف عليه السلام وأخيه ليتمكن يوسف من أخذه بهذه الحيلة، يأخذه معززًا مكرمًا عنده، وإخوته يظنون أنه في كرب وبلاء، وأنه صار عبدًا رقيقًا كما ألزموا أنفسهم بذلك "قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ"؛ أي: يدفع عبدًا رقيقًا جزاءً على سرقته إذا ثبت أنه قد سرق، فالتزموا ذلك، وهذه شريعة يعقوب عليه السلام، ولم تكن مِن شريعة الملك المطبقة في ذلك الوقت، وما كان يوسف عليه السلام ليتمكن مِن أخذ أخيه في شريعة الملك التي كان يعمل بها، بل ألزم يوسف عليه السلام إخوته بشريعة يعقوب عليه السلام؛ لأنها كانت لازمة لإسرائيل وبنيه فقط، ولم تكن لازمة للناس كافة؛ كشريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك حاكمهم إلى شريعتهم فأخذ أخاه.
 
قال الله تعالى: "كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ"؛ أي: في شرع الملك "إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ"، لكن لأن الله شاء أن يأخذه فأخذه "كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" الله عز وجل يكيد لعباده المؤمنين، قال تعالى: "إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا . فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا" (الطارق: 15-17).
 
فحين يمكر الأعداء بالمسلمين وحين يخططون لهم وعندهم من أسباب الإحاطة أكثر مما عند المسلمين، عندهم أسماع توصل إليهم كثيرًا من الأصوات، وعندهم أجهزة تنقل إلى أبصارهم كثيرًا من الصور، وعندهم من القوة ما قد يطوقون به المسلمين، وهم يخططون ويكيدون، ومع ذلك فالله من ورائهم محيط، قال تعالى: "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" (البروج: 17- 22).
 
فالله عز وجل جعل كتابه محفوظًا وشرعه قائمًا، وهو عز وجل يكيد للمؤمنين كيدًا حسنًا خيرًا لا شر فيه، فيكيد بمن يستحق الكيد، ويمكر بمن يستحق المكر.
 
«وامكر لي»: دبِّر لي أمري في خفاء من حيث أعلم ومن حيث لا أعلم، ومن حيث يعلم الأعداء، وربما من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، ومن حيث يحذرون ومن حيث لا يحذرون، من حيث يحذرون بأنهم مِن مكر الله عز وجل بهم إذ مكروا بالمؤمنين ودبروا لهم في الخفاء، وأحاطوا بهم فيها يظنون، والله عز وجل يعاقبهم على كيدهم ومكرهم بأن يكيد عليهم عز وجل وأن يمكر بهم لصالح المؤمنين بحمده ورحمته وفضله عز وجل، ولذا فالمؤمن ينبغي أن يفوض أمره دائمًا إلى الله عز وجل.
 
إذا دعا المؤمن ربه عز وجل ليمكر له ولا يمكر عليه، لم يشغله كثيرًا مكر الماكرين، ولم يقلق لذلك المكر؛ لأنه فوض أمره إلى الله عز وجل.
 
كما قال الله عز وجل عن مؤمن آل فرعون: "وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" (غافر: 41- 56).
 
جهر الرجل بدعوة الحق، وبعد أن كان يكتم إيمانه أعلنه، ودافع عن موسى عليه السلام، وتلطف في بيان الحق لقومه، وذكَّرهم معاني الإيمان بالله واليوم الآخر، وذكَّرهم بدعوة الرسل السابقين واللاحقين وحذرهم من النار، وأظهر كل ما عنده بعد كتمانه بمدة طويلة، ولم يخشَ فرعون وهو ذو الأوتاد، الذي تمكن في ملكه أعظم التمكين، وهو الذي مكر أشد المكر بالمؤمنين، ومع ذلك فالمؤمن قد جهر بكلمة الحق "فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا".
 
فلا ينبغي الانشغال كثيرًا بمكر الماكرين إلا ما كان من الأخذ بالأسباب المتاحة، وأما ما لا يتاح لنا فلا نشغل أنفسنا به، وأما ما قد نعرفه ولا نستطيع دفعه فنفوض أمورنا إلى الله عز وجل، ونسأله ألا يمكر علينا.
 
قوله صلى الله عليه وسلم: ولا تمكر عليَّ
إنما يمكر الله عز وجل على العبد إذا فعل ما يستوجب ذلك بأن يستدرجه الله عز وجل، وهذا مكره به، يستدرجه بسبب ذنوبه ويملي له كما قال تعالى: "فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ? (القلم: 44، 45)، يملي لهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ قول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" (هود: 102).
 
يملي لهم لمتانة كيده؛ لأن كيده متين، فهو يكيد بهم، فاحذر-يا عبد الله- أن يكيد الله بك بأن تظل على معصيته ومخالفته وهو ينعم عليك بالمزيد، وتغتر بستره عز وجل، وإرخاء كنفه عليك، فيكون ذلك استدراجًا، فإن من استمرت به النعم وهو على مخالفة شرع الله فإنما هو استدراج من الله للعبد، ومكر به، نعوذ بالله أن يمكر بنا.
 
فالعبد المؤمن لا تغره فترة الدنيا وإن طالت فإنه يعلم أنها ذرة بالنسبة إلى الأبد، كما قال تعالى: ?وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَرَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ? (الحج: 47).
 
فلا تغر بملك ظالم، ولا بعلو متكبر، ولا بقوة زائفة لأعداء الإسلام فإن الله يمكر بهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فهو عز وجل لمتانة كيده وقوة مكره يملي لهم ويستدرجهم، ويعطيهم مِن الدنيا، كما قال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ" (الأنعام: 42-45).
 
لما نسوا ما ذكرهم الله به فتح عليهم أبواب الدنيا وآتاهم من كل أرزاقها رزقًا واسعًا، ولذلك ظنوا أنهم مرضي عنهم، وأنهم فائزون في الدنيا والآخرة "حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ رَبِّ الْعَاَلِمينَ" (الأنعام: 44- 45).
 
تأمل في مكث قوم نوح عليه السلام ظلوا يكذبونه ألف سنة إلا خمسين عامًا، كم يبلغ عمر الأمم المتكبرة الطاغية في زماننا؟ لا يبلغ مائتين من السنين أو خمسمائة من السنين، وانظر إلى صبر نوح عليه السلام الطويل، وهو يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا، يُكذَّب ويُتهَم بالجنون، ويهدد بالرجم والطرد الإبعاد، ويسخر به بأنواع السخرية، ولا يأتيه النصر طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا، إلا أن يأذن الله بالفرج والنصر، فرجاء الفرج من الله عبادة.
 
فإذا شاهدت مكر الله بالأعداء حين يُملي لهم وتأكدت من متانة كيده عز وجل استرحت أعظم الراحة، وتيقنت أنهم يلعبون فـ "ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" (الأنعام: 91)، "فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" (الزخرف: 83).
 
أيظن عاقل أن أعداء الله يعجزونه؟! واللهِ إنهم يلعبون، أيظنون أنهم يُطفئون نور الله بأفواههم؟ يريدون ذلك ولكن هل تطفأ الشمس بأفواه النافخين؟
 
يستحل ذلك، فدين الله ظاهر، لكن الله يقدر من الآلام ما يقوي به المؤمنين، لتقوى قلوبهم بالدعاء والتضرع والاستعانة واللجوء إلى الله عز وجل، والصبر، وشهود ملكه وتدبره، وشهود كيده لأوليائه، وكيده بأعدائه، ومكره بهم عز وجل، ويمهلهم رويدًا، وينتظرون فإن الوقت في صالحهم، قال تعالى: ?فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا? (الطارق: 17)، أمهلهم قليلًا، والقليل في عمر الأمم -وإن كان طويلًا في جنس الناس- فهو عند الله يسير، وعن قريب ترون ما وعد الله به؛ ليعلم الناس أن وعد الله حق، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، ولتطمئن قلوب المؤمنين بنصر الله عز وجل وتفرح به نفوسهم، سوف يظهر أمر الله لأنه عز وجل هو الذي ينصر هذا الدين ويمكر لعباده المؤمنين بأعدائه الكافرين، فنعوذ بالله أن يمكر بنا، ونسأله أن يمكر لنا سبحانه وبحمده.
 
وأما المكر السيئ فإنه لا يحيق إلا بأهله: قال تعالى: "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" (فاطر: 43)، وقال تعالى: "مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ" (فاطر: 10).
 
فمكرهم بائر، ومكر الله به واقع حاصل، لا بد أن يقع ما أخبر الله عز وجل، فاثبتوا عباد الله على طاعته، وداوموا على التزام شرعه، ولا تغرنكم قوة المجرمين ولا تسلط الظالمين، ولا يضعفن من التزامكم ما ترون من بلاء على المؤمنين، بل "اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (الأعراف: 128).