مصطفى دياب - كيف تعملون 2015؟ - بوابة الفتح الالكترونية
مصطفى دياب
2015-09-21 16:55:00

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وبعد؛
إنه الاختبار الصعب والامتحان الذي لا محاباة فيه؛ فإن أحسنتم زادكم الله مِن فضله، وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) يبتليكم بالنعمة كما ابتلاكم بالشدة؛ فيظهر عملكم في حال اليسر والشدة هلا تشكرون نعمته أم تكفرون؟! والأمر كله منةٌ مِن الله (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) رغم كيد الكائدين ومكر الماكرين وحقد الحاقدين (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه)، ورغم إفساد المفسدين وسحر المضلين (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)؛ فإن الله عز وجل يدافع عن عباده المخلصين (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُو).
 
القارئ الكريم:
 
إنني أزعم أننا لا نخاف مِن الصراع مع خصومنا مهما تطاولوا وكذبوا وهاجموا وسبُّوا (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ)؛ فإني واثق أن الله سيكفينا إياهم بصدق التوجه إلى الله والافتقار إليه (اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، ولكني أرى أن المشكلة تكمُن فينا نحن .. المشكلة في صدق افتقارنا إلى الله عز وجل.
 
هل نفتقر إلى توفيق الله في الأعمال الصالحة حقًّا؟
 
هل نفتقر إلى الله ألا يتسرَّب العُجْب إلى قلوبنا؟
 
هل نفتقر إلى الله في كل أحوالنا؟
 
قال موسى: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).
 
لقد كان مفتقرًا إلى الله في كل شيء؛ في طعامه وشرابه وأمنه واطمئنانه، والمؤمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا في أمر الدين أو الدنيا؛ فمَن يرى في نفسه منزلة فوق الناس بعلمه أو عمله أو جهاده فهو مِن أول مَن تُسَعَّرُ بهم النار.
 
ومِن افتقار المؤمن لربه أن يشهد نفسه بغير قدرة على الطاعات ولا قوة إلا بالله وأنه مفتقر إلى أن يكون قريبًا مِن مولاه في كل عباداته وأعماله، وهنا يرى الأسباب مجرد أسباب يسرها الله بما فيها الأعمال الصالحة.
 
وإذا أدرك المؤمن أن كل حركة وسكنة لنفسه أو لغيره هي بتدبير الله وأمره (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)؛ أدرك معها أن حركة لسان خصمه ويده وبطشه وتفكيره وكيده كل ذلك بتدبير الله، فيطمئن ويستغنِ بالله عمَّن سواه، ويكون مفتقرًا حقًّا .. فهل نحن صادقين في افتقارنا إلى الله؟
 
وأرى أن ثمة مشكلة في إعجابنا بإنجازنا وحسن ترتيبنا وتقدمنا وتفوقنا على منافسينا مع خلل غيرنا حتى لو كان علمانيًّا أو ليبراليًّا أو نصرانيًّا.
 
سُئِلَ رياح القيس: يا أبا مهاجر؛ ما الذي أفسد على العمال أعمالهم؟ فقال: حمد النفس ونسيان النعم.
 
وكان عيسى عليه السلام يقول: «يا معشر الحواريين؛ كم مِن سراج قد أطفأته الريح، وكم مِن عابدٍ قد أفسده العُجب».
 
أيها الأحباب:
 
الطريق طويل .. ونحن في أوله، ويُحسن القادة .. ويفتقرون إلى الله وينكسرون بين يدي ربهم صيامًا و قيامًا واستغفارًا -نحسبهم كذلك والله حسيبهم- .. ولا يصل هذا الأثر إلى بعض الأتباع فتسمع عبارات التعالي والاستحقار للخصوم، وتشم وترى وتسمع وتلمس ذلك الداء الخبيث الذي يعرف طريقه إلى النفوس في كل موقف إيجابي.
 
عن أبي وهب المروزي قال: سألت ابن المبارك ما الكِبر؟

قال: أن تزدري الناس.

فسألتُ عن العُجْب، قال: أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك. (نذير الدمار).
 
أخي الحبيب:
 
إذا أُعْجِبْتَ بآرائك فتفكر في سقطاتك، وإذا أُعْجِبْتَ بخيرك ففكر في معاصيك وتقصيرك، وإذا أُعْجِبْتَ بعلمك فتذكر جهلك وأن علمك هبةٌ مِن ربك، وإذا أُعْجِبْتَ بعملك فتذكر (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين).
 
قال عتبة بن غزوان: «أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا»، قال تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ).
 
يا شباب الإسلام:
 
حطموا الأصنام التي في قلوبكم .. اسلكوا طريق الافتقار إلى ربكم .. اقتفوا آثار نبيكم صلى الله عليه وسلم .. الزموا غرز علمائكم .. أنتم أصحاب رسالة، والعالم ينتظركم، فلا تخذلوه.
 وصلِّ اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ظروف مشابهة في عام 2011 كتبت مقالة بذات العنوان ولذلك اضفت إلى عنوان هذه المقالة 2015؛ لنعلم أنها سنن كونية يجب أن نتعامل معها بالسنن الشرعية.