شريف طه - الوفاء بالعهود في السياسة الشرعية - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2015-09-08 17:17:00

وازن الإسلام بين المثالية والواقعية، بين السعي وراء المصلحة المعتبرة والحفاظ على المنظومة القِيَمِيَّة الأخلاقية، ليس هو الميكافيلية كما صورها صاحبها فقال: «كلنا نعرف كم هو مشكور أن يحفظ الأمير وعوده، وأن يعيش بأمانة واستقامة، ومع هذا كله تبين اختبارات أيامنا الحاضرة أن الأمراء الذين قاموا بأعمال عظيمة ورائعة كانوا زاهدين بالأمانة واحترام العهود؛ فقد تمكنوا بالرياء والخداع مِن خلق التخبط في عقول البشر، بينما أولئك الذين جعلوا الإخلاص أساس معاملاتهم هلكوا هلاكًا ذريعًا .. يجب أن يكون الأمير إذن ثعلبًا ليتحسس الفخوخ ويتجنبها، وأسدًا ليخيف الذئاب الذين يتربصون به، أما الذين يرغبون بتقليد الأسد وحده فإنهم لا يفقهون، وبناءً عليه ينبغي على الأمير الحاذق ألا يحفظ عهده عندما يضطره الحفاظ على العهد للتضحية بمصلحته، أو عندما تتغير الأسباب التي اضطرته لقطع هذا العهد على نفسه، لو كان الناس جميعهم أخيارًا لكانت هذه النصيحة غير صالحة، ولكن بما أنهم أشرار ولا يحفظون عهودهم معك، فقد أصبحت غير ملزم أن تفي بوعودك معهم، وليس هو المثالية المفرطة (الطوباوية) الخيالية التي تحلم بمدينة لا مكان فيها للشرور والنزعات الفردية» !
 
وتجلى هذا واضحًا في مسائل السياسة الشرعية والتي نختار اليوم منها أنموذجًا لدراسته باختصار كمثال على ما قدمنا وهو: الوفاء بالعهد في السياسة الشرعية، فإن الله عز وجل أمر المؤمنين بالوفاء بعهودهم فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وقال صلى الله عليه وسلم في بيان علامات المنافق: «إذا عاهد غدر» وأمر الله تعالى المؤمنين بالحفاظ على عهودهم التي أبرموها مع الكفار حتى ولو اعتدوا على قوم مسلمين آخرين (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)، والضمير في قوله تعالي (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ) راجع للمؤمنين الذين تَرَكُوا الهجرة ولم يتحولوا من باديتهم إلى المدينة، فإن نصرتهم في الدين واجبة لبقاء رابطة الإيمان، وأما نفي الموالاة في قوله تعالي (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، فالمقصود به الميراث علي الصحيح وكان ذلك في أول الإسلام؛ حيث كان المهاجرون والأنصار يتوارثون فيما بينهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)، ثم ذكر تعالى مانعًا من نصرتهم حال اعتداء الكفار عليهم لدينهم وهو العهد والميثاق بين الدولة الاسلامية والكفار! وهذا محمول علي العهد المؤقت والعهد المطلق، فإذا وادع المسلمون الكفار علي مدة من الزمن أو عهد مطلق، لم يجز لهم نقضه إلا إذا نقضه الكفار في العهد المؤقت (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) أو إذا خفنا نقضه في العهد المطلق جاز لنا نقضه بعد إعلامهم بذلك ?وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ? أي حتى تكون أنت وهم على السواء في العلم بعدم العهد .

 
وليس قوله تعالى (إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) منسوخًا أو خاصًا بالأعراب الذين لم يهاجروا، وليس هناك دليل علي النسخ، بل سيرته العملية صلى الله عليه وسلم تضمنت ذلك، كما في قصة أبي بصير حيث التزم النبي صلي الله عليه وسلم بعدم نصرته التزامًا بالعهد بينه وبين المشركين .
 
ومن يتأمل هذه القصة وما جرى بعد ذلك من أبي بصير وخروجه من حدود المدينة باعتبارها الحدود المكانية للمعاهدة، ويتأمل كذلك قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)، يدرك أن الإسلام أقرَّ مبدأ حدود السيادة الإقليمية وأن هذا لا يتنافى مع عالمية الرسالة خلافًا لما يتصوره بعض السفهاء؛ حيث يظنوا أن إعلان «الخلافة» في بقعة ما يستلزم مبايعة جميع المسلمين له والتزامهم بحكمه في مشارق الأرض ومغاربها، ولتفصيل ذلك مقام آخر.
 
وقد استنبط العلماء من هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم أنواعًا من العهود والمواثيق، يمكننا تلخيصها في الآتي:
 
·       العهد المؤبد: وهو المعروف بعقد الجزية، وهو نوع من العهود يعطى لغير المسلمين في الدولة، وهو بمثابة اعتراف بحكم الدولة وخضوعهم له، وهو مؤبد متوارث لا يحتاج لتجديد ولا يجوز نقضه إلا إذا ارتكب صاحبه ما ينقضه وينافيه، وقد اقترنت بهذا العقد خصوصًا بعض الآراء الفقهية، بعضها كان اجتهادًا من الدولة الإسلامية حينها لمصلحة ارتأتها في حينها، وبعضها كان اجتهادًا غير مقبول، بل ويصادم ما قرره الشرع من ضوابط العلاقة مع غير المسلمين مثل: تقرير بعضهم صفة أخذ المال من الكتابي بصورة مهينة لا دليل عليها، بل ردَّها عامة الفقهاء المحققين.
·        
وهذا العهد يمكن أن يدخل فيه كل رعايا الدولة من غير المسلمين ولو كانوا وثنيين، وليس مقتصرًا علي أهل الكتاب، وهو الواقع العملي للأمة الاسلامية، التي أبقت على رعاياها من سائر الأديان والملل، ولم تهدم معابدهم في الهند والصين وإفريقيا مع القطع بانتشار هذه الأديان هناك .
 
وفي السياسة الشرعية سعة للدولة للتصرف في مقدار ما يدفع، واسمه كذلك، وأسوق هنا قصة نصارى بني تغلب مع عمر؛ فقد انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم عمر إلى بذل الجزية فأبوا وأنفوا، وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة، فقال عمر: «لا آخذ من مشرك صدقة»، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين؛ إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر في طلبهم، فردهم، وهي تبين لمن تأملها مرونة وسعة الخيارات في السياسة الشرعية لمن كان عالمًا بمقاصدها ونصوصها، وهي ليست حالة خاصة بل كما يقول ابن قدامة، معقبًا ومبينًا العلة في ذلك، وأنه حتى وجدت وجد الحكم، والعكس صحيح: «أن العلة في بني تغلب الصلح، ولم يوجد الصلح مع غيرهم، ولا يصح القياس مع تخلف العلة، الثالث: أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة، لحقوا بالروم، وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا، ولم يوجد هذا في غيرهم»، فإن وجد هذا في غيرهم، فامتنعوا من أداء الجزية، وخيف الضرر بترك مصالحتهم، فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة، جاز ذلك، إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو زيادة قال علي بن سعيد: «سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة، ولا في أموالهم، إنما تؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ منهم، كما صنع عمر في نصارى بني تغلب، حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم، وذكر هذا أبو إسحاق صاحب المهذب، في كتابه، والحجة في هذا قصة بني تغلب، وقياسه عليهم، إذا كانوا في معناهم» أ. هـ . ولا يخفى على من تأمل ذلك أنه قد يصل الحال لدرجة عجز أكثر من ذلك، وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم غطفان علي ثلث ثمار المدينة، فكان على استعداد لدفع المال لهم تفتيتًا للأعداء وتحييدًا لمن أتى لا يريد إلا المال وليس له غرض سياسي ولا عقائدي، ولكن رفض الصحابة ذلك الاتفاق لما استشارهم صلي الله عليه وسلم، لعلنا نفرد مقالًا خاصًا عن ملامح السياسة الشرعية في اتفاق غطفان.
 
·       العهد المطلق: وهو عهد غير محدد بمدة وليس مؤبدًا ويجوز إنهاؤه اذا ظهرت مصلحة للدولة أو خيف مفسدة من إبقائه، شريطة إعلام أصحابه، حفاظًا علي القيم الأخلاقية للدولة المسلمة أهمها: عدم الخيانة، ومن أمثلته: الوثيقة التي أبرمها صلى الله عليه وسلم مع اليهود أول هجرته للمدينة، وهي مشهورة في السيرة ترقى بمجموعها لدرجة الأحاديث الصحيحة كما قال الدكتور أكرم العمري، وبالطبع لم يكن فيها دفع جزية ولا شيء من ذلك، ولم يكن مؤقتًا بمدة بل ترك مطلقًا وبموجب هذا الاتفاق، لم يهدم حصونهم التي كانت لهم، وكانت لهم حرية التحاكم للإسلام أو لمحاكمهم الخاصة، قريب من الحكم الذاتي، وهذا ليس منسوخًا بمعنى زوال حكمه بالكليه كما قد يُظن، بل يعمل به المسلمون حيثما احتاجوا إليه وتحققت به مصلحتهم.
       
·       العهد المؤقت: وهو المذكور في قوله تعالى: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ)، مثل صلح الحديبية، وهو عهد لازم لا يجوز نقضه إلا إذا نقضه الطرف الآخر، فيجوز لنا نقضه وقد تكون مصلحتنا في الحفاظ عليه، ولو نقضه الطرف الآخر، دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثناه.
       
·       عهد الأمان: ويشمل الداخل إلي بلادنا؛ فيجب تأمينه إذا كان طالبًا البحث عن الإسلام، ويجب كذلك إذا كان هاربًا من ظلم يتعرض له في بلده؛ لأن دفع الظلم واجب، وتمكين الظالم من الظلم حرام، ومالم يتم دفع الحرام إلا به فهو واجب، وهو حق سبقت به النظم الإسلامية جميع المواثيق الدولية المتعلقة باللاجئين وحمايتهم ولكنه للأسف ضاع كما ضاع غيره!
      
ويجوز قبول طلب القادم إلي بلادنا ورفضه بحسب ما تضعه الدولة من قوانين ونظم تضبط هذا الباب وتحقق المصلحة وتدفع المفسدة، فإذا أمنته الدولة حرم على أي أحد أن يمسه بسوء أو أن ينقض هذا الاتفاق، بل عظمت الشريعة من قتل المعاهد أو ظلمه كما في الحديث «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة».
 
وليس هذا الأمان مقتصرًا علي الدولة، بل يعطى هذا الحق لسائر أفرادها ذكورًا وإناثًا في استقدام من يريدون وتأمينهم، ويجب على الجميع احترام هذا الأمر، ولا مانع أن تنظم الدولة هذا الحق بما يتوافق مع الضوابط العامة، ويشمل هذا الأمان كذلك الفرد المسلم حينما يدخل إلى بلاد غير المسلمين؛ إذ تُعَدُّ تأشيرة الدخول لبلادهم بمثابة وعد بالالتزام بما يتضمنه هذا الاتفاق الضمني.
 
هذه أنواع العهود باعتبار مدتها وتوقيتها، وهناك عهود واتفاقيات أخرى لعلنا نتدارسها في مقالات قادمة إن شاء الله، وهي كلها تدل على رحابة السياسة الشرعية وتوازنها العظيم بين العقيدة التي تنطلق منها ولتحقيقها، والشريعة التي تنضبط بضوابطها، ومنظومة القيم والأخلاق التي تتحرك في دائرتها دون إخلال بتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة للفرد والمجتمع والأمة.