محمد القاضي - حسد الأقران - بوابة الفتح الالكترونية
محمد القاضي
2015-08-31 22:08:00

مما لا شك فيه أن الحسد أحد الأمراض القلبية التي تصيب بعض الناس بسبب الغيرة، والتنافس المذموم على الدنيا، وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، وإن مخاطره جمة على الفرد والمجتمع، لخصها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قيل: نكون كما أمر الله. قال: أوغير ذلك: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض». (أخرجه مسلم).
 
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ضمرة بن ثعلبة: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا». (رواه الطبراني، ورواته ثقات، وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب).
 
وعن أبن الزبير رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي: الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين». (رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما، وقال الألباني: حسن لغيره).
 
فدين المرء في خطر عندما يرتكب هذه الكبيرة ويتمنى زوال النعمه مِن إخوانه، والمجتمع المسلم في خطر إذا انتشر بين أفراده هذا المرض؛ لذا وجب التحذير منه والبُعد عنه.
 
وهناك محور خطير في الحسد هو انتشاره بين الأقران، وهذا ما نعانيه في الصحوة الإسلامية المعاصرة، ونراه اليوم واضحًا جليًّا بين العلماء وطلبة العلم والأئمة والمعلمين والخطباء والبارزين في أعمالهم.
 
فقد يجرُّ التنافس بين بعض طلبة العلم إلى الوقوعِ في بعض التحاسد، قال الذهبي: «كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، وما ينجو منه إلا مَن عصم الله، وما علمت أن عصرًا مِن الأعصار سلم أهله مِن ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم». (ميزان الاعتدال للذهبي 1/111).
 
وذكر الغزالي حال بعض أولئك الحسدة، فقال: «واحذر مخالطة متفقهة الزمان، لا سيما المشتغلين بالخلاف والجدال، واحذر منهم؛ فإنهم يتربصون بك -لحسدهم- ريب المنون، ويقطعون عليك بالظنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، ويحصون عليك عثراتك في عشرتهم، حتى يجابهوك بها في حال غيظهم ومناظرتهم، لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون لك عورة، يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرضون عليك الإخوان بالنَّمِيمَة، والبلاغات، والبهتان، إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق، ظاهرهم ثياب، وباطنهم ذئاب .. هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم، إلا مَن عصمه الله تعالى؛ فصحبتهم خسران، ومعاشرتهم خذلان .. هذا حكم مَن يُظهِر لك الصداقة، فكيف مَن يُجاهِرك بالعداوة؟!». (بداية الهداية للغزالي).
 
الغرض المقصود أن الحسد بين الأقران له أسباب ومظاهر، من أهمها ما ذكره الإمام الغزالي مِن التنافس على الدنيا، فقد قال ما ملخصه: «إن الحسد يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب الداعية إليه، وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات، ويتواردون على الأغراض، فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض مِن الأغراض نفر طبعه منه وأبغضه وثبت الحقد في قلبه، فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه ويكافئه -أي: يجازيه- على مخالفته لغرضه ويكره تمكنه مِن النعمة التي توصله إلى أغراضه وتترادف جملة مِن هذه الأسباب، إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين، فلا يكون بينهما محاسدة.
 
نعم، إذا تجاورا في مسكن أو سوق أو مدرسة أو مسجد، تواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهما، فيثور مِن التناقض التنافر والتباغض، ومنه تثور بقية أسباب الحسد، ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز -بائع الثياب- لا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب، والمرأة تحسد ضرتها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته، ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، وأما الآخرة فلا ضيق فيها.
 
فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة؛ لأن مقصدهم معرفة الله تعالى، وهو بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله، ولا ضيق أيضًا فيما عند الله تعالى.
 
نعم؛ إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا؛ لأن المال أعيان وأجسام، إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر». اهـ. (انظر تهذيب إحياء علوم الدين 2 / 82 لعبد السلام هارون).
 
وله أيضًا مظاهر يعرف بها، مِن أهمها:
 
1- أن يفرح بخطأ قرينه؛ لأنه هو الذي يزاحمه على الصدارة، وهو الذي ينافسه بين الناس.
 
2- أن يفرح عند عدم حضور قرينه في أمر ينازعه أو يقاسمه الصدارة فيه.
 
3- أن يُسَرَّ إذا لُمِزَ قرينه أو نُقِدَ، ويجد في نفسه راحة نفسية، بل لا يحاول أن يمنع المغتاب أو اللامز، وربما أعانه على ذلك.
 
4- أن يعرض بقرينه إذا سأل عنه، وخصوصًا عند مَن لا يعرفه.
 
5- أن يجد في نفسه حرجًا إذا وجه سؤال لقرينه أو طلب منه أن يتكلم في حضوره.
 
6- أن يقلل مِن شأن العلم أو الخير الذي يأتي به القرين.
 
7- أن يحاول تخطئة كلامه إذا تكلم، ونقده إذا أجاب.
 
8- أن لا يعزو الفضل إليه والفائدة إذا جاء من عنده، بل يدعيه لنفسه عياذًا بالله.
 
فآفة حسد الأقران تزيد القلب قسوة، والعبد بُعْدًا عن توخي الخير، والنفس تدفع صاحبها إلى التعالي إن لم يأطرها ويزمها بزمام التقى والورع، والشيطان حريص على زرع الشقاق والخلاف بين الإخوة المتحابين في الله، فإياك أن تعين الشيطان على أخيك، وتفتح باب الحسد بينك وبينه، ولا تحاول طلب العلاج وإزالة هذه الآفة؛ لذا  لابد أن يهتم المرء بعلاج هذه الآفة في نفسه، ومِن وسائل العلاج على سبيل المثال لا الحصر:
 
- الدعاء للقرين في ظهر الغيب، فإن الدعاء يحدث في النفس عجبًا مِن تغير الحال ومِن نزع الغلِّ والحسد، وفي المقابل يلقي الله لك قبولًا في قلب قرينك.
 
- محاولة التحبب له والسؤال عن حاله وحال أهله؛ فالقرين بمقدار ما تتقرب إليه، وتحبب له بقدر ما يزول ما في قلبه مِن الحسد والتحامل.
 
- زيارته وإظهار ما له مِن الفضل، وكم تُحدِث الزيارة في قلوب الأقران مِن الأثر البالغ العظيم، خصوصًا إذا نوى بها وجه الله تعالى.
 
- عدم السماح بغيبته وهمزه ولمزه، والدفاع عنه في حال غيبته.
 
- إيثار القرين وتقديمه على النفس عند الكلام والمشورة والنقاش والسؤال والجواب وهكذا.
 
- طلب مشورة القرين ونصيحته؛ فهما أمران يحملان نفسه على محبتك ومودتك، ويعلم أنك تهتم به، وترى رأيه ومشورته.
 
- مدحه وإظهار جوانب الخير فيه، وتجنب نقده، ورد خطئه.
 
- حاول أن تُهدي له ولو هدية متواضعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تهادوا تحابوا».
 
- تبسم في وجهه عند لقائه، وأظهر الفرح به، وبالغ في استقباله والترحيب به.
 
- احرص على إبلاغه سلامك بين كل فترة وأخرى.
 
- اسأل عنه بالهاتف، وحاول الاتصال عليه بين كل فترة وأخرى.
 
وفي الختام: نسأل الله أن ينجينا وينجي أمتنا مِن هذا المرض؛ فكم قاد الحسد أهله إلى كثير مِن الجرائر والعظائم: كبر وغرور وإعجاب بالنفس واحتقار للآخرين، وحب الرياسة والجاه، وطلب الظهور، وخبث النفس وبخلها، والقطيعة والهجر، والغيبة والنميمة والكذب والفجور في الخصومة ...إلخ .. نسأل الله عافيته.