د. أحمد حمدي - السلف والصيف - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2015-08-23 20:13:00

 كان رد فعل السلف رضي الله عنهم تجاه الحر مختلفًا تمامًا، فكان كل شيء في الدنيا من أحوال وظروف وفصول السنة ومواقف يذكرهم بالله واليوم الآخر؛ لذلك استقاموا على شرع الله، فعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من برد الشتاء فهو الزمهرير، وأشد ما تجدون من حر الصيف فهو من سموم جهنم» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن شدة الحر من فيح جهنم" وقال صلى الله عليه وسلم "الحمى من فيح جهنم فاستعيذوا بالله من عذاب جهنم»، وكان أحد السلف إذا دخل حمامًا دافئًا من الحمامات العامة قديمًا، وجد البخار الساخن تذكر السموم الذي يخترق مسام الجلد يوم القيامة من جهنم، وإذا رأى شيئًا يُقلى في الزيت تذكر الحميم والمهل الذي يغلي في البطون وإذا رأى شاة تشوى تذكر عذاب الله، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما يسمع الآيات التي تتحدث عن النار لا يقل إنها نزلت في الكفار، بل كان ينزلها على نفسه مثل قوله تعالى: ?وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ? ويقول لحذيفة بن اليمان: أسماني لك رسول الله في المنافقين؟ وكان سفيان الثوري يبكي عند موته ويقول أخشى أن أُسلب الإيمان عند الموت، فكانوا يسيئون الظن بأنفسهم ويحسنون الظن بالله، فعند حرارة الشمس الحارقة والعرق الذي يتصبب، هل تذكرنا يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة؟ يوم تدنو الشمس من الرءوس قدر ميل! والناس يتصببون في عرقهم؛ فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه، ومنهم من يبلغ العرق إلى منكبيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا، بينما أناس يكونون في ظل عرش الرحمن في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»، وكان ابن عمر رضي الله عنه عندما يشرب الماء البارد، مع شدة الحر والعطش، يتذكر أمنية أهل النار قال تعالى ?وَنَادَى? أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ? وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «صوموا يومًا شديد الحر لطول يوم النشور»، وكان أبو موسى الأشعري يتحرى اليوم شديد الحر ليصومه، وكان في سفينة فسمع مناديًا ينادي: «من أعطش نفسه لله في يوم صائف سقاه الله يوم العطش الأكبر»، ونتذكر معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما قال: «لولا ثلاث ما تمنيت البقاء في دنياكم: صيام الهواجر -الأيام شديدة الحر- ومكابدة الليل، ومزاحمة العلماء بالركب»، نتذكر في هذا الحر خروج النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد مع ثلاثين ألف من الصحابة في غزوة العسرة "غزوة تبوك"، في شهر رجب في فصل الصيف في حرٍ شديدٍ مسيرة سبعمائة كيلو بين المدينة وتبوك، ونتذكر إخواننا في ليبيا وسوريا واليمن والعراق وغزة، وقد انهارت دولهم ومؤسساتهم، وانقطعت عنهم الكهرباء، ويعيشون في العراء ويتعرضون لحر الشمس، فنذكرهم بالدعاء والمواساة والتعاطف معهم، قال صلى الله عليه وسلم «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم، مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو؛ تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى» وكذلك نتذكر نعمة الله علينا بالأمن والعافية أن حفظ بلادنا من هذه الفتن وهذا المصير فنحمد الله حتى لا تزول النعم قال تعالى ?وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ?
 
فانظروا رحمكم الله إلى الفرق بيننا وبين السلف، نسأل الله عز وجل أن يظلنا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأن يحرم أجسادنا على النار، وأن يرحم ضعفنا.. اللهم آمين.