د. ياسر برهامي - قضية حياة - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2015-08-27 00:41:00

إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد؛
 
فإن قضية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هي قضية حياة هذه الأمة، وأفضليتها على سائر الأمم مرتبطة بوجود هذه المسألة فيها، قال الله عز وجل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110)، وقال عز وجل: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 105)؛ فعلق الله عز وجل الفلاح على القيام بهذه الفريضة، وأوجبها سبحانه وتعالى على المسلمين كأمة، ولابد أن توجد منهم أمة تدعوا إلى الخير حتى يوجد المعروف الواجب ويزول المنكر المحرم، وإن لم يفعلوا أَثِمَ كل قادر بحسب قدرته.
 
وجعل الله عز وجل الدعوة إلى الله والنهي عن الفساد في الأرض سببًا للنجاة، وليس سببًا للهلاك، كما يظن كثير مِن الناس في زماننا، أن الدعوة إلى الله تجلب الضياع، قال الله عز وجل: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ) (هود: 116)، أي: هلَّا كان مِن الأمم من قبلكم أولو بقية استمروا على ما كان عليه الأنبياء، وبقوا على الحق الذي بُعث به الأنبياء ينهون عن الفساد في الأرض، وهو الشرك بالله والمعاصي وترك الواجبات التي أوجبها الله عز وجل؛ فالفساد هو تضييع الفرائض، والفساد هو فعل المحرمات، وأعظم الفساد تضييع التوحيد وفعل الشرك والدعوة إليه.
 
قال الله عز وجل:(إِلَّا قَلِيلًا)؛ أي: لم يكن ذلك إلا قليلًا، (مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ)، فالله عز وجل جعل النجاة لمن نهى عن الفساد في الأرض، وهذا يجعلنا نوقن أن قضية الدعوة إلى الله بالنسبة لنا قضية حياة أو موت، إن الأمة الإسلامية تتعرض في هذه الأوقات إلى محنة عظيمة شديدة، وأعداؤها انتبهوا إلى أن مصدر قوتها وعزتها في الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا طاقة لهم بمواجهة مَن يؤمنون بالله واليوم الآخر، فلابد لهم أن يجتثوا هذا الأمر مِن أصله، ولابد أن يغيروا الدين في نفوس الناس، وهم مقبلون على مرحلة خطيرة، ونحن أيضًا مقبلون معهم على مرحلة خطيرة، إن لم يكن هناك التزام صادق بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن لم توجد دعوة صادقة مستمرة مهما كانت العقبات ومهما كانت الظروف والتضحيات، ومهما كانت عواقب الأمور -فيما يبدو للناس-؛ إن لم توجد هذه الأمور كلها فلا شك أن الخطر عظيم جسيم.

 
إن أهل النفاق وضعاف الإيمان والذين في قلوبهم مرض يظنون أن المشكلة تحل ببعض الموافقة، وتقديم القرابين لأعداء الله عز وجل، ولو بأذية المسلمين والتضييق عليهم وإنزال أنواع العقوبات بهم، يظنون أن الأمر تتحقق به بعض المصالح الدنيوية العاجلة، والحقيقية الأكيدة أن هذه الأمة لا بقاء لها، ولا تتحقق لها مصلحة إلا بالتزام دينه، إلا بأن يكون الالتزام هو الصفة الأساسية لعامة المسلمين، لا تحصل المصالح ولا تحصل الخيرات، ولا تحل المشكلات بأنواعها المختلفة بموافقة أعداء الله عز وجل، أو بالتقرب إليهم، أو بالعمل على إرضائهم على حساب الدين، ونشر مبادئ الكفر والضلال والنفاق التي يريدونها، إذ يئسوا مِن أن يزيلوا اسم الإسلام، ويئسوا من أن يترك الناس هذا الدين، ولو خدت لهم الأخاديد، وعلقت لهم المشانق، ودمروا بأنواع التدمير كلها: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)، (المائدة: 3).
 
لكنهم لم ييئسوا من تغيير حقيقة الدين في نفوس الكثيرين، وذلك بأن يعتقد الناس الباطل على أنه الحق، ويعتقدوا الحق باطلًا، فتنشأ أجيال لا تدري حقيقة الإسلام ولا أصوله الكبرى ولا قواعده العظمى.
 
لذا نقول: إن لنا دورًا كبيرًا ومهمًّا وخطيرًا في أن نتعلم هذا الدين وأن نعمل به وندعوا إليه مهما كانت التضحيات ومهما كانت العقبات، ونحن نقتدي في ذلك بمن جعل الله عز وجل لنا من السابقين أسوة صالحة وقدوة حسنة في الدعوة إليه والصبر على ما يصيب الداعي في سبيل الله عز وجل.